محمد متولي الشعراوي
1923
تفسير الشعراوى
منهم ، ثم جاء « المنهج » في « الزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ » . ومعنى « الزبر » : الكتاب ، وما دام الشئ قد كتب فقد « زبره » أي كتبه ، وهذا دليل على التوثيق أي مكتوب فلا ينطمس ولا يمحى فالزّبر الكتابة ، و « الزّبر » تعنى أيضا الوعظ ؛ لأنه يمنع الموعوظ أن يصنع ما عظم أي يمتنع عن الخطأ وإتيان الانحراف ، و « الزّبر » أيضا تعنى العقل ؛ لأنه يمنع الإنسان من أن يرد موارد التهلكة . والذين يريدون أن يأخذوا العقل فرصة للانطلاق والانفلات ، نقول لهم : افهموا معنى كلمة « العقل » ، معنى العقل هو التقييد ، فالعقل يقيدك أن تفعل أي أمر دون دراسة عواقبه . والعقل من « عقل » أي ربط ، كي يقال هذا ، ولا يقال هذا ، ويمنع الإنسان أن يفعل الأشياء التي تؤخذ عليه . و « الزبر » أيضا : تحجير البئر ؛ فعندما نحفر البئر ليخرج الماء ، لا نتركه . بل نصنع له حافة من الحجر ونبنيه من الداخل بالحجارة . كي لا يردم بالتراب وكل معاني الزبر ملتقية ، فهو يعنى : المكتوبات ، والمكتوبات لها وصف ، إنّها منيرة ، وهذه الإنارة معناها أنها تبين للسالك عقبات الطريق وعراقيله ، كي لا يتعثر . إذن فالحق سبحانه وتعالى يسلّى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ويوضح له : لا تحزن إن كذبوك ؛ فقد كذب رسل من قبلك ، والرسل جاءوا بالمنهج وبالمعجزة ، وبعد أن يعطى اللّه للمؤمنين ولرسول اللّه مناعة ضد ما يذيعه المرجفون من اليهود وضد ما يقولون ، وتربية المناعة الإيمانية في النفس تقتضى أن يخبرنا اللّه على لسان رسوله بما يمكن أن تواجهه الدعوة ؛ حتى لا تفجأنا المواجهات ويكشف لنا سبحانه بما سيقولون . وبما سيفعلونه . ونحن نفعل ذلك في العالم المادي : إذا خفنا من مرض ما كالكوليرا - مثلا - ماذا نفعل ؟ نأخذ الميكروب نفسه ونضعفه بصورة معينة ثم نحقن به السليم ؛ كي نربّى فيه مناعة حتى يستطيع الجسم مقاومة المرض . ثم بعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى بقضية إيمانية يجب أن تظل على بال المؤمن دائما . هذه القضية : إن هم كذبوك فتكذيبهم لا إلى خلود ؛ لأنهم سينتهون